د.محمد رحامنة يكتب : جدلية مصطلح المحكمة الحزبية

تناقلت المواقع الإخبارية مؤخرًا تفاصيل إحالة عضو في أحد الأحزاب إلى "المحكمة الحزبية" لارتكابه مخالفة معينة، كما سبق "لمحكمة" حزب آخر أن أفضت إلى اتخاذ الحزب قرار فصل عضو في الحزب يشغل مقعدًا حزبيًا في مجلس النواب.إن هذه الأخبار على اختلاف أسلوب كتابتها توحي أن القضاء هو من أصدر هذه القرارات، لكن المتابع للشأن العام يلحظ خلو التشريعات الناظمة للحياة الحزبية من تنظيم "المحكمة الحزبية" أو حتى الإشارة إليها، وأن الدستور حدد أنواع المحاكم فجعلها نظامية ودينية وخاصة، وأن القوانين المنشئة للمحاكم تخلو من تشكيل "محكمة حزبية"، في حين أن النظام الأساسي للحزب قد يتضمن أحكامًا لإنشاء تلك "المحكمة" داخل الحزب وتحديدًا لصلاحياتها.وعلى الرغم من الغاية السامية التي يسعى إليها الحزب من استحداث "المحكمة"، وهي النأي بهذا الجهاز عن تأثير القيادة الحزبية وسطوتها، وجعله جهة محايدة تنظر في المخالفات التي يرتكبها أعضاء الحزب وفي كل ما قد ينشأ من خلافات داخلية، بالإضافة إلى اضطلاعها بمهام ذات بعد قانوني، إلا أن مصطلح "محكمة" ينصرف إلى الجهة ذات الاختصاص القضائي التي تتألف من قضاة، مثل محكمة البداية، ومحكمة البلدية، ومحكمة البداية الضريبية، والمحكمة العمالية، والمحكمة الشرعية، في حين أن "المحكمة الحزبية" لا وجود قانوني لها من هذه الناحية.ومع التسليم بأن ما يصدر عن "المحكمة الحزبية" لا يعد حكمًا قضائيًا إنما هو قرار أو إجراء ضمن سلسلة إجراءات ينتج عنها قرار إداري نهائي من الحزب يقبل الطعن أمام المحكمة الإدارية، إلا أن مصطلح "المحكمة" قد يسهم في ترسيخ صورة نمطية حول الأحزاب والطاعة العمياء لقادة الحزب، كما قد يعد ذلك إسباغًا للاستقلالية التامة للحزب حتى في مسألة محاكمة أعضائه، كما قد يحمل هذا المصطلح في طياته إشارة إلى خطورة العمل الحزبي بحيث قد يؤدي الخطأ فيه أو مخالفة "سياسة الحزب" إلى الإحالة إلى "المحكمة الحزبية".أخيرًا فإن مصطلح "محكمة" يثير إشكالية تنازع الاختصاص بين "المحاكم الحزبية" المختلفة، فلو حدث أن تم ارتكاب مخالفة من قبل أشخاص ينتمون إلى أحزاب مختلفة، فأي "المحاكم الحزبية" ستكون صاحبة الاختصاص؟في ضوء ما تقدم قد يكون من الأنسب تسمية الجهاز المتخصص بالنظر في المخالفات التي يرتكبها أعضاء الحزب وما قد ينشأ من نزاعات داخلية باسم آخر غير "المحكمة" مثل "لجنة تحقيق" أو "هيئة تقصي الحقائق" أو ما شابه ذلك، وقد ينتج عن هذه التسمية الجديدة الحد من التخوف من ممارسة العمل الحزبي، فبموجب قانون الأحزاب السياسية فإن الحق في الانتماء الحزبي مكفول، ولا يجوز مؤاخذة أي شخص لانتماءاته الحزبية.د. محمد رحامنه/ الجامعة الأردنية